ليس للحرب وجه أنثوي

No comments

لمى عبد الفتاح

فتاة جريئة قفزت إلى درع الدبابة

إنها تدافع عن وطنها

لا تخشى الرصاص ولا الشظايا

فقلب هذه الفتاة يحترق

تذكّر يا صديقي، جمالها الرزين

عندما يَحملونها على نقّالة.

في كتابها “ليس للحرب وجه أنثوي” تدون سفيتلانا ألكيسييفتش شهادات عن الحرب العالمية الثانية التي شاركت فيها تقريباً مليون امرأة سوفييتية، وجمعتها في أواخر السبعينات وبداية الثمانينات، أي بعد مرور أربعين عاماً على انتهاء الحرب.

تحكي عن الحرب بأصوات نسائية ناعمة، إنسانية ومليئة بالمشاعر والتفاصيل الصغيرة الدافئة. اعتدنا أن تعلو أصوات الرجال عند الحديث عن الحروب ببطولاتها ومآسيها لكن في هذا الكتاب ستعيش مشاعراً مختلفة بالتأكيد وتسمع أصوات من اعتدن على الصمت.

عن الأم والأخت والزوجة اللواتي ينتظرن الغائبين في ساحات الحرب على امتداد البلاد، عن فتيات لم تتجاوز أعمارهن العشرين عاماً لم يكتفين بتقديم الخدمات الطبية والعمل في المصانع بل كن قائدات وطيارات وقناصات وعناصر مشاة.

فتيات تخلّين كُرهاً عن أحلامهن وقصصن شعورهن الطويلة ولبسن الملابس العسكرية بدلاً عن الفساتين الصيفية الملونة، واستبدلن الكعوب العالية بأحذية عسكرية ذكورية لم يعتدن أبداً على المشي فيها بأقدامهن الصغيرة وأداء التحيات العسكرية.

في الحرب حتى وإن كُتب لك أن تنجو بجسدك دون تشوهات أو بتر لأحد أطرافك أو كلها، لن تنجو بروحك أبداً ستكمل حياتك بروح مشوهة. كيف لا تكون كذلك وقد صادقت الموت وألفته بعد أن واجهته مرات كثيرة وبعد أن أَخذ الكثيرين من حولك! كيف ستمحو من ذاكرتك صوراً عن ماضيك فيها، عن أرضٍ وسماءٍ تحترقان من حولك، عن دُخانٍ ملأ رئتيك وذاكرتك، عن الدماء التي غطت كل شيء؟

تروي النساء معاناتهن بكل صورها، عن التي أغرقت رضيعها الباكي كي لا يجذب صوته الجنود الألمان، والتي انتحرت وقتلت نفسها والروح التي في بطنها بعد أن تعرضت للاغتصاب من جندي العدو، عن نساء ذهبن للحرب مع أزواجهن ولم يكتب لهم أن يعودوا سوياً بعدها.

عن أم تختنق الأبجدية في حنجرتها عندما سألها طفلها “ماذا تعني كلمة بابا؟”، عن نساء استُخدمن كدروع بشرية وفي الجهة المقابلة لهن تماماً فتيات صغيرات يتجهزن لإطلاق الرصاص، ماذا ستفعل إن رأيت أمك بشالها الأبيض بين أولئك النسوة؟

وبعد انتهاء الحرب وفوز السوفييت بها ونشوتهم بالانتصار وتحقيق انتقامهم، سرعان ما تلاشت آثار هذا النصر العظيم عندما لم تجد أغلبهن من تشاركنه هذه الفرحة بعدما انقشع سواد الحرب ولم ترين بعده إلا الخراب والموت، وعند دخولهم للأراضي الألمانية ورؤية الجثث في كل مكان فمن لم تقتله الحرب أو الجوع، قتل نفسه وعائلته أو سممهم جميعاً.

فازت سفيتلانا بجائزة نوبل للآداب لعام ٢٠١٥ عن فئة الأدب النثري غير الروائي وبعد هذا الفوز تُرجمت كُتبها التي تتحدث عن (الحرب العالمية الثانية وحرب أفغانستان والكارثة النووية في تشرنوبل وانهيار الاتحاد السوفياتي) إلى ٢٦ لغة.

بشكل عام تتناول الكاتبة موضوعات حساسة في التاريخ السوفيتي وتكتب بطريقة تمزج فيها الصحافة مع الأدب وتُعرض نفسها للخطر بتحديها لطريقة تعاطي الدولة مع الصحفيين خاصة والناس عامة، وربما كان الدافع الأكبر لها هو ما تعرضت له عائلتها بسبب حادثة تشرنوبل حيث قُتلت شقيقتها وأصيبت والدتها بالعمى.

لا أكتب عن الحرب، بل عن الإنسان في الحرب. لا أكتب تاريخ الحرب، بل تاريخ العواطف والمشاعر.

فأنا مؤرخة النفس والروح. أنا، من ناحية، أدرس إنسانًا محددًا، عاش في وقت محدد، وشارك في أحداث محددة.

ومن ناحية ثانية، لا بد لي من أن أتبين فيه الإنسان الخالد. أتأمل نبض الأبدية.

إن أنظاري معلّقة على الإنسان وحده دومًا.

بعض الشهادات المؤثرة من الكتاب:

– كان عليّ أن أتعلم من جديد كل ما هو عادي، وأن أتذكر الحياة العادية، الطبيعية! من أشاركه مشاعري! أركض إلى جارتي… إلى أمي.

– فيم أفكر أيضاً؟ اسمعي. كم استمرت الحرب؟ أربع سنوات. فترة طويلة جداً دون طيور وورود. كانت موجودة، بالطبع، لكنني لا أذكرها.

– نعم، نعم… حقيقة أمر غريب؟ هل يمكن أن تكون أفلاما حربية ملونة؟ إنها كلها سوداء. باستثناء الدم، له لون آخر. الدم أحمر دوماً.

– كان لدي موعد في ذلك اليوم، طرت إلى مكان الموعد على جناحين. كنت أظن أنه في ذلك اليوم سيعترف: “أحبك” في حين أنه جاء حزيناً: “فيرا إنها الحرب! سيأخذوننا من مقاعد الدراسة مباشرة إلى الجبهة” كان يدرس في الكلية الحربية. تصورت نفسي على الفور في دور جان دارك. إلى الجبهة لا ينقصني سوى البندقية في اليد. علينا أن نكون معاً، أن نكون معاً حتماً!

– ذات يوم أثناء التدريبات، لا أستطيع تذكرها دون أن تنسكب الدموع من عيني، كان الفصل ربيعاً. انتهيت من تدريبات الرمي، وتوجهنا في طريق العودة. جمعت طاقة صغيرة من زهور البنفسج، وربطتها بالحربة، وسرت.

عدنا إلى المعسكر. صف القائد الجميع، واستدعاني. خرجت من الصف، ونسيت أنّ طاقة البنفسج معلقة على بندقيتي. فبدأ يوبخني: “على الجندي أن يكون جندياً وليس جامعاً للزهور.” لم يكن يدرك، كيف يمكن التفكير في مثل هذا الوضع. هذا أمر لا يفهمه الرجل.

– بدون كراهية لن تطلقي النار. لن تفهمي مشاعري، بدون كراهية لن تطلقي النار. إنها الحرب وليست حفلة صيد. أذكر كيف قرأوا لنا في دروس التوجيه السياسي مقالة إيليا إهرنبورغ: “اقتله!”. كلما التقيت ألمانياً، اقتله. إنها مقالة شهيرة، كان يقرأها الجميع ويتعلمون منها الكراهية.

– سألتني أمس: ما هي الحرب؟

فكيف أجيب؟ أردت إنزالها إلى هذا العالم بقلب حنون وتعليمها أنه من غير الممكن قطف الوردة عبثاً أو دوس الدعسوقة بأذى، أو نزع الجناحين من اليعسوب، ولكن كيف أشرح للطفلة معنى الحرب؟ أو الموت؟

كيف يمكنني الإجابة عن: لماذا هناك يقتلون الناس؟ بل ويقتلون الصغار مثلها.

DET Platformليس للحرب وجه أنثوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *