رقصة القمر مع آينشتاين

No comments

آلاء خضر

في الحقيقة لأول مرة أقرأ كتابا من هذا النوع، كتابا يبقي دماغك متيقظا مع كل كلمة تقرأها تماما كمفعول فنجان القهوة داخل الجسد.

الكاتب باختصار يأخذك في جولة ليعرفك على ذاكرتك وأهم التقنيات التي تساعدك على الحفاظ عليها بشكل جيد حتى آخر لحظة من عمرك، وذلك من خلال عرض قصص وتجارب مع مختلف الأشخاص.

إذ بدأت قصة هذا الكاتب بعد أن ذهب إلى بطولة الولايات المتحدة الأمريكية للذاكرة حيث حضر كصحفي وقام بتغطية الحدث ورأى القوى الخارقة لبعض الأشخاص الذين فازوا في هذه البطولة.

ومن هنا تولد لديه شعور وشغف بهذا العالم، (عالم الذاكرة) إلى أن أصبح هو شخصيا الفائز الأول في بطولة الذاكرة في السنة التي بعدها.

بدأت رحلته بمقابلة هؤلاء الأشخاص ليتعرف أكثر على حياتهم الشخصية وكيف استطاعوا الفوز باللقب العالمي بأسئلة من المستحيل أن يحلها إنسان عادي.

وكان من الصعب عليه العثور على أذكى إنسان في العالم خاصة بعد أن علم أن هنالك شخصا في مدينة نيويورك بمعدل ذكاء يبلغ 228، وأنّ هنالك لاعب شطرنج في المجر قام بلعب 52 مباراة شطرنج في الوقت نفسه وهو معصوب العينين.

وكانت هنالك امرأة هندية تستطيع حساب الجذر الثالث والعشرين لعدد يتكون من مئتي خانة في عقلها خلال خمسين ثانية، والكثير من هؤلاء.

وبدأت عمليات بحثه عن سبب هذا الذكاء الخارق لديهم والعجيب أنه حين سأل شخصا منهم عن ذاكرته قال: كل إنسان لديه ذاكرة لها قوة خارقة إن تم استخدامها بالشكل المناسب.

وذكر الكاتب عن الرجل الذي يتذكر أكثر من اللازم وكيف يتعب في حياته كثيرا حيث تذهب كل المعلومات التي يسمعها خلال يومه إلى ذاكرته سواء كانت معلومات مفيدة أو غير مفيدة. وأن لكل إنسان ذاكرتين، ذاكرة طويلة الأمد وأخرى قصيرة الأمد.

ثم عرض الكاتب أهم تقنية تستخدم للحفظ وهي تقنية قصر الذاكرة، وهنا تكمن الخدعة عند كل أبطال الذاكرة، حيث بهذه التقنية استطاع أحدهم أن يستمتع بوقته في إحدى الحفلات حتى مطلع الفجر، في الليلة التي تسبق أهم اختبار جامعي له في تلك السنة، ولم يعد للمنزل إلا قبيل شروق الشمس بوقت قصير، حتى استيقظ في وقت الظهيرة وقام بحفظ كل ما في المادة، ثم اجتاز الامتحان.

ولاستخدام هذه التقنية عليك فقط أن تقوم بتحويل شيء عابر كمجموعة من الأعداد أو أوراق اللعب أو قوائم التسوق، إلى سلسلة من الصور التي بإمكانك ترتيبها بشكل منطقي في ساحة متخيلة، وبهذه الطريقة سوف تتمكن من حفظ أي شيء في العالم.

حيث الطريقة التي يعمل بها الإدراك المكاني تتطلب منك فقط أن تسير في قصر ذاكرتك، وعندها سوف تظهر كل صورة وضعتها من تلقاء نفسها. وكل ما عليك فعله هو أن تترجم هذه الصور إلى المعلومات الأصلية التي أردت حفظها من الأساس.

وذكر الكاتب العديد من التمارين التي تساعد على اكتساب ذاكرة حديدية إذا قمنا بالتدريب ساعة يوميا مثل:

  • عرض صور شخصيات مع أسمائهم ومن ثم حفظهم بعد ذلك يتم عرض الصور دون الأسماء لتقوم أنت بتذكرهم بسرعة.
  • ألغاز
  • ترتيب الأرقام كما كانت
  • كلمات متقاطعة
  • سكرابل
  • شطرنج
  • بوكر
  • كنستة
  • داما
  • التدريب على حفظ أبيات شعر

فهذه التمارين تساعد على تحسين الذاكرة المصطنعة والتي تختلف عن ذاكرتنا الطبيعية والتي ولدت معنا.

ويذكر الكاتب الصحفي جوشوا عن لقائه أيضا مع أكثر البشر نسيانا في العالم وذلك بعد أن أصاب هذا الشخص انفلونزا خفيفة ولم يكن يعلم أنه فيروس خطير يلتهم طريقه نحو دماغه، وأصاب الفص الصدغي مما أدى إلى أن يصبح هذا الشخص يشبه كاميرا الفيديو ولكن دون شريط لتسجيل الأفلام عليه، الكاميرا ترى ولكنها لا تسجل.

يرتدي هذا الشخص إسوارة طبية معدنية مكتوبا عليها: (فقدان الذاكرة) فهذا الشخص لا يتذكر حتى أنه يعاني من فقدان الذاكرة، فهذا أمر يعيد اكتشافه من جديد في كل لحظة، وبما أنه دائما ينسى، تصبح كل فكرة ضائعة أشبه بخطأ عادي تماما كما نشعر بالانزعاج عندما ننسى شيئا في حياتنا اليومية.

بعد ذلك أكمل طريقه بمقابلة بعض مدربي الذاكرة والذين كانوا يقولون: لقد كان الناس في الماضي يعملون بجد للاستثمار في عقولهم، بالطريقة ذاتها التي نعمل بها الآن لنستثمر في شراء الأشياء.

ويقول إننا نشتكي من ذاكرتنا طوال الوقت ونستخدم أبسط زلاتها للاستشهاد على أنها بدأت بخذلاننا. كيف بإمكان الذاكرة التي كانت مركزاً لمعرفة الإنسان أن تصبح هامشية إلى هذا الحد؟ لماذا اختفت تقنيات الحفظ؟ كيف نست ثقافتنا كل طرق التذكر؟

الكتابة تسمح لذكرياتنا بالانتقال من الدماغ إلى الصفحة حيث بإمكانها العيش بشكل دائم وربما الانتقال بشكل هائل عبر الزمان والمكان. الكتابة تسمح للأفكار بالانتقال عبر الأجيال دون الخوف من تعرضها للتغير الطبيعي الذي يعتبر جزءا ضروريا من التقاليد الشفهية.

ومن الحديث عن الذاكرة تطرق الكاتب إلى طريقة تعلم مهارة جديدة والتي تمر بثلاث مراحل:

1 المرحلة الإدراكية: التعرف على المهمة واكتشافها.

2 المرحلة الترابطية: تركيز أقل وكفاءة أكثر.

3 المرحلة الآلية: (هضبة الرضا) وهي أن تدرك أنك أصبحت جيدا بما يكفي.

ويقول الكاتب بأن الذاكرة والإبداع هما وجهان لعملة واحدة فالذاكرة هي المخزون (inventory) والإبداع هو (invention) أي اختراع، فأنت إن لم يكن لديك مخزون جيد أو ذاكرة جيدة فلن تتمكن من الإبداع والاختراع والابتكار.

وحسب ما يقول رايمون ماثيوز عن الهدف من التعليم والهدف من الحفظ والتذكر: “أريد مفكرين وليس فقط مجموعة من الأفراد الذين بإمكانهم تكرار ما أخبرهم به”.

كتاب جوشوا مهم وممتع، لأنه يشرح الطرق التي ستساعدنا على فتح أقفال أدمغتنا لنتذكر أكثر.

تصميم: مهند حمود

DET Platformرقصة القمر مع آينشتاين
قراءة المزيد

ليس للحرب وجه أنثوي

No comments

فتاة جريئة قفزت إلى درع الدبابة

إنها تدافع عن وطنها

لا تخشى الرصاص ولا الشظايا

فقلب هذه الفتاة يحترق

تذكّر يا صديقي، جمالها الرزين

عندما يَحملونها على نقّالة.

في كتابها “ليس للحرب وجه أنثوي” تدون سفيتلانا ألكيسييفتش شهادات عن الحرب العالمية الثانية التي شاركت فيها تقريباً مليون امرأة سوفييتية، وجمعتها في أواخر السبعينات وبداية الثمانينات، أي بعد مرور أربعين عاماً على انتهاء الحرب.

DET Platformليس للحرب وجه أنثوي
قراءة المزيد

أبناء الأيام

1 تعليق

وانطلقت الأيام ماشية..

وهي الأيام، من صنعتنا..

هكذا رحنا نولد

نحن أبناء الأيام

المتقصين..

الباحثين عن الحياة.

بعدد أيام السنة يروي لنا الحكاء العظيم إدواردو غاليانو في كتابه “أبناء الأيام” قصصاً اقتنصها من تاريخ العالم والبطل الوحيد فيها هو الإنسان.

DET Platformأبناء الأيام
قراءة المزيد

استمتع بحياتك

No comments

في زمنٍ ساد فيه التّشتت والبعد بين الناس، واختُصرت فيه أكبر الاجتماعات العائلية في مجموعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي يدخلها أحدهم فيغادرها الآخر!

تُلقى التحيّة فيه في الصباح فَيرد الآخرون في المساء!

في عمق هذا التشتت كان معظمنا في حاجةٍ إلى سراج يرشدنا لكيفية ترميم علاقاتنا الاجتماعية مع الآخرين، فكان كتاب “استمتع بحياتك”.

DET Platformاستمتع بحياتك
قراءة المزيد

لأنك الله

No comments

للكاتب علي بن جابر الفيفي

يعد هذا الكتاب من أجمل الكتب الروحانية والتي يأخذك الكاتب بها في رحلة إلى السماء السابعة، من خلال عرضه وحديثه عن بعض أسماء الله الحسنى، أراد الكاتب من كتابه الدلالة على الله سبحانه، والإشارة إلى اليقين أن تعلق القلب بالله، وعلمه به، ومراقبته له، وحبه وخوفه ورجاءه، كما وحرص الكاتب أن يجعل كلماته مما يفهمه متوسط الثقافة، ويستطيع قراءته المريض على سريره، والحزين بين دموعه، والمحتاج وسط كروبه.

DET Platformلأنك الله
قراءة المزيد

وحدك تعلم

No comments

يمان زباد

على شُرَفِ أحدِ البيوت الدمشقية يَقِفُ عمر متجهزاً لجامعته، حابساً لِصرخاتِ حريته التي قد تُكلّفهُ حياته أو مستقبله، ولكن بالنسبة له لم يعد الأمر قابلا للنقاش.

فعندما يتعلق الأمر بالظلم، بالدم، بدموع الأمهات، بحمزة الخطيب الذي كان مهولا قتله، ليس لأنه الأول وهو حتماً لن يكن الأخير، عندما يتعلق الأمر بمشاهد كهذه يصبح حسم الموقف أمرا أخلاقيا صميما.

في صراع حريته كانت أسئلته تتفتح، لماذا لا يستجيب الله لصرخاتهم؟ لماذا يترُك مساجِده تُقصف؟ والمؤمنون يقتلون ويعذبون والحرمات تُنتَهك؟

فمضى في صراعه باحثاً عن الأجوبة التي اختلطت مع أصوات الثوار في المسجد الأموي التي شابهت همهات حمائِمه يومها لتقول أنّ المدينة حَية بأبنائها، منتقلاً إلى تشييع المزة حيث زَفّت دمشق شهداءها، وكانت الملائكة ترمي الشهداء بالثلج والنساء يرمينهن بالأرز فيختلط الثلج والأرز وينزل سلاماً وبركةً على الشهداء والمشيعين، ولعنة مرسلة إلى قاتليهم.

ولكن فقد عمر صديقه محمد، صديق الثورة والطرقات، حيث اعتقل في مهمة لنقل المواد الطبية واختفت أخباره.

في الساحات كان صوت رجال الشام يزفون العريس إلى مثواه الأخير بصيحاتهم. هكذا هم منذ أن خُلِقوا مَجبولون على الحب ويعبرون عن شِدَّته بمزجه بكلمات الموت، فإن أحبوك عشقوك وطلبوا منك أن تُكفّنَهم وتقْبُرهم ثم تشكل آسهم.

بعد عقود من فقدان الشخصية وانعدام المعالم وخرس الألوان وانطماسها كلها في لون رمادي باهت أدخلها ظلمةً أضاعت فيها هويتها، بدأت المدن تتعرف على نفسها في هذه الثورة من جديد وتحاول غسل وجهها من الصباغ الذي صبغه بها سجانها.

فكانت (درعا) مُشعِلة الكرامة، مرورا بعاصمة الثورة والقلب (حمص) إلى لافتات (عامودا وكفرنبل) إلى تشييعات (دوما) المهيبة وسلميّة ووَرد (داريا)، وأفواج ساحة العاصي وحشود دير الزور إلى ساحات ادلب وصرخات حلب وتضحيات الساحل، وتختصرهم جميعا مسائيات كفرسوسة والميدان بتنوعها وحماسها.

الحرية لا تجزأ فقد تكون على طاغيةٍ أو ظالم، أو على القلب والعقل ربما. فكانت علا تَنبُت بين حروف الحرية في عيون عمر وصرخاته ومطالبه على الرغم من أنه سُجِن بها، ولكن أحيانا يكون الاقتراب من سجانك ومعذّبك فيه نوع من الأمان، لأنك بالبقاء قُربه تستشعر فيه بما تبقى من إنسانيتك، وتبنيه في مخيلتك وتتصور ما يُحَضّر لك من عذاب وأنّ أكثر ما تخافه هو أن يُمسك بك سجانك، وقد حدث ذلك لعمر فلم يبقى ما يخافه الآن.

كان قدومها عليه في كل مرة كقدوم الربيع أو كمظاهرة مهما تُكَرّرُها تَظل في كلّ مرةٍ تشعر بنفسك تَكسِر القيد من جديد، كما في كل مرة يرى وجهها يتذكر بصوتها نفس لحن وعذوبة الهتاف الأول، حرية، فلا تعنيه كلماتها مهما اشتدت أو ارتخت، فأصلاً كان مأسورا بالبسمة والغمّازات على طرفيها .

فالحب يُعمي ويُصِم،ّ ويجعل منك في يوم رجلاً خارقاً قادراً على التكيّف مع كلّ شيء وفي آخر طفلاً ضعيفاً عاجزاً لا يمكنه تحمل أيّ شيء، و لذلك اختفت علا وبقي الثائر الطبيب عمر مُختنقاً بأسئلته الوجودية عن الله والخلق التي بنت جداراً بينه وبين علا.

فكان بُعدُه عنها ينطلق بصرخاته في المظاهرات وكأنه يحادث السفاح، كأنه ينظر في عينيه، وكانت دقائقها الخمس تقول للطغاة: “نحن هنا، ألمنا لن يسكت، وعيدنا يوم رحيلك”.

خرج منتشيا بكلماته التي حفظتها جدران المدينة ليُلاحَق من قِبَلِ عيون الأمن ومخبري السفاح، يَهرُبُ من بين أيديهم ونظرات عيونهم بضعفه وبقدرة خفية ليركض إلى منزل جده فيُمسك القلم ويضع رأسه على دفتر مذكرات جده المتوفى ويكتب: “أرهقت السنون أشرعتي ومعرفتي لك محدودة جداً، ولعلها اليوم في أجمل صورها، وقد اشتقت إليك، فعرِّفني عليك وعجل باللقاء يا الله، فوحدك تعلم، وحدك تعلم”.

كثيرٌ من الخارجين من سجون المجرم يخرجون وقد مات شيء في عيونهم وقد غادرت الحياةُ وجوههم، ويعانون شهوراً من أمراضٍ نفسية وجسدية تتراوح بين الانعزال والاكتئاب ولكنّ بريق عيون محمد لم يتغيّر.

رأى عمر فيهم روح الثورة وأنّ العدو ينتصر عندما يحوّل بطشه وجبروته على المعتقل إلى مظلومية تملأ الحياة، وعزلة تميت القلب بعد خروجه، فكان المعتقل عند محمد بعد خروجه تجربة حياة زادته تعلقاً بدمشق، حيث دمشق ما فتئت تقصقص أجنحة عشاقها وتأسر أفئدتهم بطريقةٍ تسلبهم مُتعة العيش في أيّ مكان آخر.

رامياً بقطعة حلوى لكل طالب ومنادياً بالأسماء فرداً فرداً، يقول الطبيب الشاب المحاضر أمام طلابه: “كل عام وأنتم بخير – اليوم ذكرى الثورة السورية”. إنه عمر في عام 2034 ويتابع:
” في ذكرى الثورة السورية، فقط أريد أن أذكركم بشباب كانوا في عمركم، تركوا أحلامهم ليرسموا أحلامكم ومستقبلكم، نحن هنا اليوم بفضلهم، ولازال طيف وجوه أصدقائي يقف معي ليذكرني بثمن الحرية الباهظ”.

كان خيالُ علا يَقِفُ في زاويةِ الذاكرة ولكنه كان كصور الجلاد وصور أبوه قد رحلوا وبقيت لذةُ الانتصار عليهم، ويستثنى من ذلك سِرُّ الجمال المُختَبِئ في بسمةِ عُلا.

وحدك تعلم، الصرخة الأولى والحمائم التي أقلعت من صدرك حينها.

وحدك تعلم، قطرات الدماء التي زُرِعت في كفك عندما انتشلت جسد صديقك الشهيد الذي نمت دماؤه فيما بعد لتُعيذَك من مهادَنةِ أو مصافحة أيِّ ظالمٍ أو الركون إليه.

وحدك تعلم، أنّ الثورة لا تموت إلا حين تموت وتنطفِئ في عيون أبنائها وقلوبهم.

 

تحرير: أحمد فاضل حللي

DET Platformوحدك تعلم
قراءة المزيد