أقدارنا

No comments

منى فاضل

عائلة ويليام ومفيدة
الأبوان اللذان كبرا في السن وتزوجا بعضهما وهما في سن متقدمة يا لحظّهما التعيس، فقد نشآ كليهما في عوائل فقيرة من قرية نائية يصعبُ على سكانها حتى الحلُم في ظل ظروفهم القاسية التي كانوا يعيشونها!
فبسبب قلة حيلتهم وقلة العمل كان سكانها يضطرون إلى التنقل للعمل في مدن بعيدة للحصول على لقمة العيش التي كانت لا تأتيهم إلا بالأعمال المنهِكة.

مفيدة؛ الأخت الكبرى لصبي وفتاة، كانت ابنة رجلٍ يقضي أيامه في اللّهو، ولا يأتي إلى المنزل، ولا يعترف بعائلته لكثرة المشاكل التي كانت تحصل بينه وزوجته لكثرة تعاطله عن العمل والتفاته لامرأةٍ أخرى، حتى طلّق زوجته أمَّ مفيدة، وذهب ولم يعد.

بعد تلك الحادثة أصيبت أم مفيدة بأزمة قلبية وأصبح العمل شاقاً ومتعباً بالنسبة لها، ما أدّى لاستلام مفيدة مسؤولية كبيرةً، وهي العمل والإنفاق على الأخوين الصغيرين والأم المريضة.
عملت مفيدة كخادمة لدى عائلة ثرية في مدينة أخرى، كما كانت تقضي بضع ساعات من الليل في حياكة الملابس الصوفية وبيعها لتستطيع إطعام شقيقها وشقيقتها، بالإضافة إلى الحاجة الملحّة لشراء الأدوية الخاصة بوالدتها مريضة القلب.

وكان ويليام قبل زواجه قد عمل عدة أعمال وتنقل عبر القرى الأخرى والمدن ليعيل نفسه وأسرته وينفق عليهم المال، فقد كان والده متوفياً ولديه أربعة أخوات من الفتيات، كان وقته ليس من أملاكه الخاصة، إذ أنه لا يرى لنفسه الوقت الكافي حتى لأجل التأمل في حاله والتخطيط لمستقبله!
وبعد بلوغه الأربعين وقد مضى من السنين ما يكفي ليفكر في الزواج لرغبته الشديدة في أن يصبح أباً بعد تقدمه في العمر، أصبح ويليام مثقلاً بالهموم فقد توفيت والدته، وتزوجت أخواته، ولم يبقى لديه سوى التفكير وكثرة الحزن.

وفي إحدى الليالي العاصفة والباردة أخبر أحدُ المزارعين مفيدةَ عن وفاة والدتها منذ ساعات، فسارعت بالمجيء إلى قرية عائلتها، وهي القرية ذاتها حيث يقيم ويليام.
وصلت مفيدة القريةَ برفقة السائق الخاص بالعائلة الثرية التي كانت تعمل عندها، وكان ويليام حينها يمشي في الطريق مخذولاً بائساً من الحياة، وما إن رفع رأسه حتى رأى ضوءاً قوياً قد اجتاح مقلتاه، وإذ بوصول مفيدةَ، التفت ويليام لمفيدة وقد بانت عليه نظرات الحيرة، ثمّ بدأ يتساءل في داخله؛ من تكون تلك الفتاة يا تُرى؟! وكيف لسيارةٍ فخمة كهذه أن تأتي قريتنا البائسة؟ لمن تكون يا ترى؟

مما دفع ويليام لإلقاء التحية على مفيدة وسؤاله إياها من تكون، فقد كان أمراً طبيعياً أن لا يعرفا بعضهما وهما من ذات القرية الفقيرة؛ في ظل ظروفٍ قاسية عاشاها جعلت وقتهما كله في العمل خارج القرية خلال السنوات التي مضت.
ردت مفيدة السلام وأجابت بسرعة ودموعها تنهمر على خديها، أنا ابنة عائلة من هذه القرية ولكني كنت أعمل خارج القرية، وكنت أتردد إلى أمي المريضة لتلبية احتياجاتها، ولم يحدث لي أن مكثت في القرية أكثر من يومين في كل مرة كنت آتي فيها إلى أمي، وقد توفيت الآن، وقد أتيت لأجل ذلك.
ركضت مفيدة مسرعةً لمنزل والدتها. لحق بها ويليام لتأثره بحالها وحزنه عليها، وقد بقي إلى جانب مفيدة وتكفل بشؤون الدفن الخاص بوالدتها المتوفية.
بعد مرور هذه الأزمة تزوج ويليام مفيدةَ لحبه لها، وبعد سنة من زواجهما أصبحا أبوين لطفلتين هما مارينا وكريستين، بقي الأبوان وهم في حالهم ذاته من الفقر والتعاسة وعملا سويا لكسب لقمة عيشهما.

في صباح الخامس من أبريل، انتقلت العائلة للعمل في إحدى المدن في منزل أحد أهم رجال الأعمال، السيد كامل.
أخبر السيد كامل الزوجين عن كيفية العمل في منزله الكبير الفخم المؤلف من طابقين وعن حبه لحديقة منزله الأنيقة.
أوكلَ إلى ويليام مهمة زراعة الورود وتنسيق الأشجار، والحفاظ على نظافة الحديقة المحيطة بالمنزل وما شابه ذلك.
وأما عملُ مفيدةَ فقد كان الخدمة في داخل المنزل وتلبية الحوائج اللازمة للعائلة الثرية.
رافقت الطفلتان مارينا وكريستين والديهما الى منزل السيد كامل. وقد ألقى بهما القدر صغيرتين لتتربيا وسط حياة بائسة لتعيشا ظروف والديهما عينها.

وفي أحد أيام إبريل، خرجت مارينا لجمع أوراق الأشجار وتنظيف الحديقة عوضاً عن والدها الذي كان مشغولاً بدفع بعض الفواتير الخاصة بعائلة السيد كامل.
وبعدما انتهت من العمل منهكة، تمشت بعيداً لتأخذها خطواتها نحو الشارع المؤدي إلى المدينة، وإذ بها ترى شاحنة مليئة بالورود الطبيعية ذات الألوان والأنواع المتنوعة، كان المنظر شديد الجمال.
كانت الشاحنة تعمل على نقل الورود الطبيعية عبر المدن وتبيعها في الأسواق. اندهشت مارينا بالورد ومظهره البديع، وصعدت الشاحنة مسرعة دون أن يلحظها أحد، كانت تشمّ رائحة الورود وتجمع منهم ما يحلو لها، وإذ بالسائق يصعد الشاحنة ويسير متجهاً الى مدينةٍ أخرى.

خافت الطفلة عندما تحركت بها الشاحنة وأدركت أنّ والديها لا يعلمان بأمرها وبدأت تبكي، ومن شدة خوفها راحت تصرخ بأعلى صوتها، ولكن دون جدوى. ومن شدة تعبها استلقت وغفت في الشاحنة.
وصلت الشاحنة المكان المطلوبَ، وعندما قدم السائق ليجمع الورود من الشاحنة نظر بدهشة الى الفتاة مارينا. أيقظها مسرعاً وسألها: من أين أتيتِ؟

نظرت الفتاة إليه وهي ترتجف من الخوف، لم تتفوّه بكلمة، ثم كرّر السؤال، من أنتِ أيتها الطفلة؟ كيف جئتِ إلى هنا؟
لم تتمكن الطفلة من الإجابةِ، فهي لا تعلم اسم المنطقة أو المدينة التي جاءت منها، ولم يكن باستطاعتها إلا أن تذكر أسماء والديها ويليام ومفيدة.
تنهد السائق وقرّر أن يأخذها إلى دار أيتامٍ ليتكفلوا بأمرها.
وهكذا فقدَ ويليام ومفيدةُ طفلتهما مارينا، التي بقيت منذ ذلك اليوم تحت رعاية دار الأيتام التي جاء بها سائق الشاحنة إليها. مضت الأعوام ولم يتمكن الأبوان من العثور على ابنتهما مارينا.

حين أصبحت الأختان في سن العشرينات، كان مفيدة وويليام قد توفيا، وبقيت كريستين خادمةً في منزل السيد كامل الذي كان لديه ابن شاب يدعى كريس.
كان كريس ومارينا في ذات السن وكان قد أرسله والده الى إحدى الجامعات ليتمّ تعليمه.
أما مارينا فكانت قد تبنتها إحدى العائلات الثرية والمعروفة، وكانت العائلة قد أرسلت مارينا إلى الجامعة ذاتها التي ذهب إليها كريس ابن السيد كامل.

وهنا يكمن دور الصدفة والأقدار الغريبة في حيواتنا، فإذا بمارينا وكريس قد درسا في نفس الكلية وقد تعرفا على بعضهما لهذا السبب وأحبا بعضهما.
وفي إحدى الأيام أراد كريس أن يأتي بمارينا ليعرفها على عائلته، وهنا كان المشهد الأكثر تأثيراً، فقد كانت كريستين ما زالت تعمل كخادمة في منزل كريس.

وفي اليوم الذي أتى فيه كريس بمارينا إلى المنزل فتحت كريستين البابَ، وإذ بها ترى فتاةً في غاية الجمال رفقة كريس، وشعرت بقلبها يخفق لرؤيتها، فقد كانت تشبه مارينا الصغيرة جداً.
لم يكن كريس يتذكر اسم أخت كريستين، أي مارينا، ولم يلتفت لأمر اختفائها حتى، فقد كان صغيراً. إلا أنّ مارينا كانت تتذكر قصتها وظل اسمها كما هو، فالعائلة التي تبنتها لم تغيّر اسمها.
وهكذا اجتمعت الأختان بعد مضي عشرين سنة بأكملها، إلّا أنّ قدريهما كان مختلفا تماماً!! فقد تزوج كريس بمارينا، وكريستين تمّت خطبتها على حارس المنزل الخاص بالسيد كامل.

ها هي الحياة تحمل لنا أقداراً لم تكن في الحسبان ولم نكن لنتوقعها أو نتخيلها قط ولو في بأحلامنا!!

تصميم: مهند حمود
نشر: نوار الحسن

DET Platformأقدارنا
قراءة المزيد

رمضان في زمن الكورونا

No comments

محمد ملاك قاسم

قد هلّ رمضان وهلت معه كما هي العادة كل الخيرات والبركات، وفرص التوبة والاستغفار.

لكن على عكس العادة، صاحب رمضان هذا العام صديق جديد، صديق مقيت، مزعج، لديه ميول إجرامية! قد سبب الضيق والمرض لأكثر من مليوني إنسان على وجه هذه الأرض حتى تاريخ رسم هذا الحرف، نعم إنه فيروس كورونا (COVID-19) الموقر! حديث العصر الذي بث الذعر في العالم خلال الأشهر القليلة الماضية.

بعد التمعن قليلا، وتحليل سيرورة الأحداث في العالم مؤخرا، بداية من الصين، مرورا بإيطاليا وإسبانيا وأمريكا، انتهاء بتركيا وسوريا والدول التي تعيش غليانا سياسيا وعسكريا في الآونة الأخيرة، أخذا بعين الاعتبار كل التغيرات الجغرافية والمناخية على مستوى الكوكب؛ نستنتج أن ليس كل الأصدقاء ذوي الملامح السيئة والشريرة قد يكونون أشرارا فعلا!

فهذا الأخير كما أنه أتى بالقتل والمرض والعديد من السلبيات من دمار على الصعيد المعيشي والاقتصادي، وانهيار على الصعيد الصحي، أتى بأمور أخرى تعد إيجابية لأطراف أخرى على هذا الكوكب، كالأرض ذاتها!

خفض نسبة تلوثها وتلوث مناخها، وساعد على إنعاش طبقة الأوزون التي كانت منهكة جدا، بل وحتى للبشر أنفسهم، أعاد إحياء شمل العوائل داخليا، وأهدى فرصة للآباء والأمهات المشغولين عن أولادهم، لكي يستطيعوا قضاء الوقت كله معهم.

رمضان والكورونا

كما نوقن جميعا، قدرة الله سبحانه وتعالى فاقت كل القدرات، وهذه الجائحة إنما هي جندي من جنوده، لذلك لابد من حكمة مستترة وراء موازاتها لقدوم رمضان في الزمن.

ولابد من وجود ما يمكن استثماره منها في برنامج التعبد الرمضاني السنوي، فعلى سبيل المثال، الحجر الصحي، فرض على الناس البقاء في منازلهم، وأكسبهم فراغا كان معظمهم يتذرع بعدم توفره سابقا لتبرير تقصيرهم في أداء العبادات إلى الله، وخصوصا في تدبر القرآن وتلاوته، لديك الوقت والفراغ فاقرأ وتدبر.

ولديك الوقت والفراغ والطاقة للصلاة والدعاء والاستغفار، استثمر فرصة ضعف الإنتاج الدرامي هذه العام، فقد كنت كل عام تخصص الوقت الأكبر لها. كما وفرت هذه الظروف على معظم البشر عناء التعب والإنهاك الجسدي فصار صيامهم أسهل وأيسر. لكن في المقابل، خسر رمضان الكثير من طقوسه وروحه وجمالياته بصحبة هذا الصديق العدو.

فتوقفت كل الفعاليات الجماعية، من صلوات وإفطارات وحركات تجارية ومشاهد العرف الرمضاني البديع، فصار الجميع حبيس المنازل. وأغلقت المساجد، وحرمنا إحياء ليلة القدر مع بعضنا البعض، كما حرمنا صلاة التراويح وصلاة عيد الفطر.

اختلطت مشاعر البهجة بقدوم رمضان بمشاعر الخوف والذعر من صاحبنا، وجوه الناس كانت شاحبة ومتوترة قبل يومين عندما خرجنا لنبتاع القليل من المستلزمات للإفطار والسحور، كان الجو بشكل عام مفعما برائحة القلق والحذر، هذه الرائحة التي لم نعتد عليها في رمضان سابقا.

لا أحد يعلم ما قد يحدث في المستقبل القريب، هل سيؤول هذا الوضع إلى الزوال أم أنه سيبقى هكذا بل وقد يزداد سوءا لا قدر الله، لا ريب أن الجميع أُنهك، ولا أحد يريد قضاء فريضة الصيام وسط ضغط نفسي من الوضع الصحي والمعيشي.

لذا لا بد علينا أن نتفكر فيما يحدث الآن، هل هو ابتلاء أم غضب من الله عز وجل؟ كيف نخرج منه فائزين وكيف نستطيع استثمار رمضان على أكمل وجه؟ لنلجأ جميعا إلى سلاح الدعاء، ولنأخذ بالأسباب ولنحمي أنفسنا وأسرنا، ولنبقى في منازلنا قدر الإمكان.

تصميم: مهند حمود

DET Platformرمضان في زمن الكورونا
قراءة المزيد

الكورونا بعيون أمّ مؤمنة

No comments

فادية شيراني

أدين لهذا الفايروس على الصعيد الشخصي بما يلي:

1- جعلني مجبرةً على الالتزام بكل قواعد النظافة التي كنت أؤمن بها أصلًا وأتراخى في تطبيقها.

2- أعطاني فرصة للاستراحة من زحمة العلاقات الاجتماعية وكل ما يُستغنى عنه من الاجتماعات والمناسبات.

3- جمع أولادي معي في البيت طوال اليوم ندرس ونتعلم ونأكل ونتسلى ونمارس الرياضة سويا.

4 – ذكّرني أن أستعيذ بالله وأن أعلّم صغاري كيف يلجؤون إلى الله للحفظ من هذا البلاء ومن كل الشرور بعد أن نفدت الأسباب.

5- من جهة أخرى جعلني أحرص على العبادات وقراءة القرآن الكريم مع أطفالي حتى نقوى على مقاومة الفايروس بقلوب راضية مطمئنة إذا أُصبنا حتى نتعافى أو يوافينا الأجل.

أما على الصعيد العام:

1- أُجبر العالم على تقبّل بعض التصرفات التي كانت لا تصلح عُرفاً، كالامتناع عن المصافحة فضلًا عن التقبيل والعناق أو تغطية الوجه للمرأة المسلمة، مما هيّأ النفوس لتقبل الآخرين واحترام تحفظاتهم.

2- أظهر لنا صوراً لم نعتد أن نراها في بلاد أوروبا المتحضرة كإفراغ المحال التجارية والشجار على بعض المواد والأغذية، مما جعلنا نكفّ عن جلد أنفسنا كعرب أو مسلمين، إذ لا تصح المقارنة بين الشعوب ما لم تتشابه ظروفها.

3- بثَّ الخوف في قلوب جميع الناس على حد سواء مما ساهم في إغفال حس العنصرية.

4- أظهر عجز العلم الحديث عن فهمه فضلًا عن الإحاطة به والقضاء عليه مع أنه ظهر قبل ستة أشهر، ويعجز عن تخمين الوقت الذي ينتهي فيه الخطر ما يظهر هشاشة تأليه العلم التجريبي يومًا بعد يوم.

5- إذا استمر المرض طويلًا سيتجه نظام حياتنا إلى ترتيب أولوياتٍ يركّز على الاقتصاد في الأساسيات ويسقط الكثير من الترف واللهو والكماليات مما يقرب بين البشر.

وربما يؤدي إلى اضطراب النظام العالمي السائد وانكسار شوكة الأنظمة الوضعية ما يعني أنه يجرّ كل ذي لبّ إلى الإقرار بعظمة الخالق ووحدانيته ويزيل الحواجز النفسية التي تمنع من تحقيق مقتضى هذا الإقرار.

تحرير: أحمد فاضل حللي

تصميم: مهند حمود

DET Platformالكورونا بعيون أمّ مؤمنة
قراءة المزيد

تكّات ساعته

No comments

عند الساعة 5‪:4‪5
التقت أزماننا للمرة الأولى..
توقفت أزماننا للمرة الأولى
أو على الأقل أعرف أن زمني توقف!
عند الساعة 5‪:4‪6
كان لجزءك النابض في يدي تأثيرك ذاته..
أخذت أتخبط بذاتي دون قرار حتمي غير أنني أحب جزءك هذا كما أحبك تماماً..
الساعة 5‪:4‪7
أخذت أراها تُتَمتم.. أرى فمها يتحرك دون أن أسمع أي شيء سوى التكات…

DET Platformتكّات ساعته
قراءة المزيد

بإيجابية – ماذا جنت الثورة السورية؟

No comments

أمّة، من شبه أمية إلى النخبوية بإيجابية – ماذا جنت الثورة السورية؟ أمّة، من شبه أمية إلى النخبوية

يوم اتّقدت نيران الثورة السورية، لم تكن مجرد صيحات أو هتافات أسمعت صداها جنبات العالم الأصم.

ولم تكن مجرد بندقية حرٍّ أبى الهوان لأبناء أمته، ولم تكن مجرد صواريخ انهالت على رؤوس الأبرياء.

ولم تكن مجرد غازات كيميائية سامة أفرغها أصحاب الدماء الفاسدة على أبناء شعب أَبيٍّ مظلوم.

 

ولم تكن مجرد خلافات واقتتالات بين أبناء الثورة على الثورة أو على بعض سوءٍ ألمّ بهم!

ولم تكن مجرد سقوط لثلثي ما جنته الثورة بعد معارك التحرير والخروج في باصات التهجير.

لم تكن مجرد آلام للمهجرين في مخيمات العار على الجبين الإنساني أو اضطهادات وتمييز بحق اللاجئين.

ولم، ولم، ولم..

لم تكن سوى بركان يغلي ويجلجل من عشرات السنين ينظر إيذاناً له بالتفجّر، وقد أوذن له.

ليُخرج من باطنه أنفس المعادن والكنوز، مع بعض أذى قد يصيب به من حوله، ولا بدّ منه.

ولكن ما عليك سوى الانتظار برهة، برهة تكفي لتبريد الحمم المكنوزة داخل ذلك البركان، لتقوم بجمعها أنفس المعادن وأغلاها.

وفقط انتظر..

سترى من تلك النفائس نماذج من إبداعات شعب كُبِتَت طاقاته.

سترى ذلك الإنسان الذي كانت أسمى أمنياته التي لطالما اتفق على تحديد سقفها مع الخراف! تتحول إلى صرح يبهرك جلاله وعلاه.

سترى ذلك العجوز الخمسيني الذي كان ينبغي على روتين حياته المتبقية أن يمضيه متقاعداً يسلِّي نفسه بملاعبة أحفاده! إلى طالبٍ يزاحم الشباب اليافع على مقاعد الدراسة ليلحق ما فاته في سنيٍّ مضت!

نعم سترى ظاهرة الشيخوخة تلاحق طلاب المدارس والجامعات!

عداك عن انهماكِ جيل الثورة الصاعد عن الترهات إلى تحصيل الشهادات والخبرات.

وسترى الجامعات المستحدثة في البقاع المحررة تتنافس لتحصيل الاعتراف الدولي بها.

وسترى طالب الدراسات العليا الذي ترك بعثته العلمية والعيشة الرغيدة وطموحاته المجيدة في بلاد الغرب وعاد إلى بلاده عله ينفع أبناء وطنه ويساهم في رفد المحرر بالكوادر.

ولا بد لك أن ترى ذلك الشاب الذي أفنى أنضر سنوات عمره معفّراً على جبهات العز والتضحية.

وانظر إلى الأفق لترى ذاك الطفل الذي أضحت أحلامه تناطح أحلام الرجال، وقد أضاف إلى قاموس جواب ذاك السؤال الرنان (ماذا تريد أن تصير عندما تكبر؟)

طبيب؟ مهندس؟ طيار؟ فيجيب عنه طموحه (رئيس!).

سترى التمحيص على أشدّه، وسترى الغربال يُسقِط كل من رجحت كفة سوئه ويفضحه.

ليبقي واجهة الثورة نضرة صافية.

فكم من دنيء ظهر شره على المحك وكم من بطل ظهر بهاؤه في المحن.

سترى كثيراً من المغتربين تميزوا وأضاءوا جباهنا بهم في دول المهجر

في جامعاتهم، في مشاريعهم وأعمالهم.

وسترى الكثير الكثير، فعدوى النهضة قد استفحلت وسيأتي آن لجني ثمارها.

هي حال شعب طموح أفرزت الثورة أفضل ما لديه، وربما أيضاً أسوأ ما لديه! ربما!

ولكن لا يطغى العكر على الماء، ولا يلبث إلا راقداً ساكناً، (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) سورة الرعد.

لننظر بإيجابية تجاه الثورة السورية، فأحلامنا وآمالنا بثورتنا ليست أحلاماً وردية أو ضروباً من خيال، فهي أحلام أزهرت على دماء أكثر من مليونٍ من الشهداء.

أحلام مُنينا بها على آهات مئات آلاف المعتقلين، وبنيناها على أوجاع المشردين وخيام المهجرين.

نعم، سوف ننظر بإيجابية ونكمُّ أفواه الانهزامية، فالنظر بسوداوية سيأتي بالهزيمة الحتمية.

سننظر بإيجابية لنستطيع نقد ثورتنا بموضوعية، لا كما ينقدها عشاق تلك النظرية، نظرية المؤامرة الكونية، أو أصحاب الروح الانهزامية.

سننظر بإيجابية ونُري العالم المتعامي أننا أهل الحرية لا مجرد ضحية. فثورتنا لم تكن مجرد آهات أو صرخات مدوية أو تدمير للبنى التحتية، بل كانت نهضة لشآم أبت في دينها الدنيّة.

كانت نهضة لشآم بشّر بها محمد خير البرية، سننظر بإيجابية ونعلي راية الحق -والحرية خفاقة عليّة، بشعب قفز من شبه أمية إلى النخبوية.

إعداد: أبيّ تلّو

تحرير: أحمد فاضل حللي

DET Platformبإيجابية – ماذا جنت الثورة السورية؟
قراءة المزيد

عوالم مجهولة

No comments

عندما تغرب الشمس سيتسلل شعاع أخير إلى داخل غرفتها ليختبئ في خزانتها ويرتدي ثيابها واضعاً بين ثنايا الأنسجة روح النهار.

لم تعتد منى على ذاك الحمل الثقيل بعدُ، خاصة أنّ هناك من يساعدها في ترتيب المنزل والطبخ والغسيل لكن حدث أن تمت الموافقة على المنحة المقررة لسفر أختها وإكمال دراستها في الخارج.

DET Platformعوالم مجهولة
قراءة المزيد

طلاب الجامعة وحبة كراميل لا تفوت

1 تعليق

لعلكم شاهدتم او سمعتم عن فيلم عربي اسمه حبة كراميل، فيلم يحكي قصة امرأة ركبت دواء لابنتها الشابة لرفع مستوى ذكائها، وكان الدواء على شكل حبة كراميل تناولتها الفتاة فأصبحت تسمع كل كلام الناس من حولها، ليس ما يتحرك به لسانهم وحسب بل ما يحدثون به أنفسهم!

DET Platformطلاب الجامعة وحبة كراميل لا تفوت
قراءة المزيد

لِمَ لَم نُخلق خرافا!

No comments

“سبحان من أحل الحلال”، هذه العبارة لم تفارق لساني منذ لحظة مراقبة ذبح الأضحية (خروف العيد)، فلأول مرة أتابع ذبح الأضحية مباشرة وبكامل تفاصيلها من الألف إلى الياء.

وبعد كلمة “اللهم تقبّل” هاجت الأفكار في خاطري وتأثرت جداً بذبح ذاك الكبش الذي مكث يومين بجوارنا، قد يعتبرها البعض إفراطا في المشاعر، لكن هي حقيقة وفطرة النفس البشرية.

DET Platformلِمَ لَم نُخلق خرافا!
قراءة المزيد

أطلال

No comments

“ويمرُّ بي طيفها وتسكن الأحلام، جميلة وأحبّها واسمها شآم”.

لا كلام يصف حال مغترب عن بلده، قلّما شعرت بالحنان في هذه الأرض رغم حبي لها وتعلّقي بها وتمسّكي بالبقاء فيها دون سواها. ذاك الحنان الذي كنت تبثّينه في صدري كلّما انكسرت أو جرحت، جدرانك التي ملأت عينيّ عبقاً وشبقاً، حاراتكِ التي أكلت من قدميّ قطعة كما يقال!

DET Platformأطلال
قراءة المزيد

بين نأي وناي

1 تعليق

كنت سأسعدُ جداً لو أنني استطعت كتابة عنوان لا يناسب التدوينة، أنا فقط أحاول الحديث عن الفاصلة بين نأيٍ، وناي.

هل يهرب الصمت حقاً إن نطقنا؟

هل السكوت حقاً علامة رضى أم كما قالوا سلاحُ العارفين؟

بفضلها تعلمت للمرة الأولى كيف يمكن للأسئلة أن تبقى بلا إجابة، للغة أن تتبدد وللأحرف المستعرة شوقاً أن تعزف ناياً ليس كأي ناي، نأياً ليس كأي نأي.

DET Platformبين نأي وناي
قراءة المزيد