أقدارنا

No comments

منى فاضل

عائلة ويليام ومفيدة
الأبوان اللذان كبرا في السن وتزوجا بعضهما وهما في سن متقدمة يا لحظّهما التعيس، فقد نشآ كليهما في عوائل فقيرة من قرية نائية يصعبُ على سكانها حتى الحلُم في ظل ظروفهم القاسية التي كانوا يعيشونها!
فبسبب قلة حيلتهم وقلة العمل كان سكانها يضطرون إلى التنقل للعمل في مدن بعيدة للحصول على لقمة العيش التي كانت لا تأتيهم إلا بالأعمال المنهِكة.

مفيدة؛ الأخت الكبرى لصبي وفتاة، كانت ابنة رجلٍ يقضي أيامه في اللّهو، ولا يأتي إلى المنزل، ولا يعترف بعائلته لكثرة المشاكل التي كانت تحصل بينه وزوجته لكثرة تعاطله عن العمل والتفاته لامرأةٍ أخرى، حتى طلّق زوجته أمَّ مفيدة، وذهب ولم يعد.

بعد تلك الحادثة أصيبت أم مفيدة بأزمة قلبية وأصبح العمل شاقاً ومتعباً بالنسبة لها، ما أدّى لاستلام مفيدة مسؤولية كبيرةً، وهي العمل والإنفاق على الأخوين الصغيرين والأم المريضة.
عملت مفيدة كخادمة لدى عائلة ثرية في مدينة أخرى، كما كانت تقضي بضع ساعات من الليل في حياكة الملابس الصوفية وبيعها لتستطيع إطعام شقيقها وشقيقتها، بالإضافة إلى الحاجة الملحّة لشراء الأدوية الخاصة بوالدتها مريضة القلب.

وكان ويليام قبل زواجه قد عمل عدة أعمال وتنقل عبر القرى الأخرى والمدن ليعيل نفسه وأسرته وينفق عليهم المال، فقد كان والده متوفياً ولديه أربعة أخوات من الفتيات، كان وقته ليس من أملاكه الخاصة، إذ أنه لا يرى لنفسه الوقت الكافي حتى لأجل التأمل في حاله والتخطيط لمستقبله!
وبعد بلوغه الأربعين وقد مضى من السنين ما يكفي ليفكر في الزواج لرغبته الشديدة في أن يصبح أباً بعد تقدمه في العمر، أصبح ويليام مثقلاً بالهموم فقد توفيت والدته، وتزوجت أخواته، ولم يبقى لديه سوى التفكير وكثرة الحزن.

وفي إحدى الليالي العاصفة والباردة أخبر أحدُ المزارعين مفيدةَ عن وفاة والدتها منذ ساعات، فسارعت بالمجيء إلى قرية عائلتها، وهي القرية ذاتها حيث يقيم ويليام.
وصلت مفيدة القريةَ برفقة السائق الخاص بالعائلة الثرية التي كانت تعمل عندها، وكان ويليام حينها يمشي في الطريق مخذولاً بائساً من الحياة، وما إن رفع رأسه حتى رأى ضوءاً قوياً قد اجتاح مقلتاه، وإذ بوصول مفيدةَ، التفت ويليام لمفيدة وقد بانت عليه نظرات الحيرة، ثمّ بدأ يتساءل في داخله؛ من تكون تلك الفتاة يا تُرى؟! وكيف لسيارةٍ فخمة كهذه أن تأتي قريتنا البائسة؟ لمن تكون يا ترى؟

مما دفع ويليام لإلقاء التحية على مفيدة وسؤاله إياها من تكون، فقد كان أمراً طبيعياً أن لا يعرفا بعضهما وهما من ذات القرية الفقيرة؛ في ظل ظروفٍ قاسية عاشاها جعلت وقتهما كله في العمل خارج القرية خلال السنوات التي مضت.
ردت مفيدة السلام وأجابت بسرعة ودموعها تنهمر على خديها، أنا ابنة عائلة من هذه القرية ولكني كنت أعمل خارج القرية، وكنت أتردد إلى أمي المريضة لتلبية احتياجاتها، ولم يحدث لي أن مكثت في القرية أكثر من يومين في كل مرة كنت آتي فيها إلى أمي، وقد توفيت الآن، وقد أتيت لأجل ذلك.
ركضت مفيدة مسرعةً لمنزل والدتها. لحق بها ويليام لتأثره بحالها وحزنه عليها، وقد بقي إلى جانب مفيدة وتكفل بشؤون الدفن الخاص بوالدتها المتوفية.
بعد مرور هذه الأزمة تزوج ويليام مفيدةَ لحبه لها، وبعد سنة من زواجهما أصبحا أبوين لطفلتين هما مارينا وكريستين، بقي الأبوان وهم في حالهم ذاته من الفقر والتعاسة وعملا سويا لكسب لقمة عيشهما.

في صباح الخامس من أبريل، انتقلت العائلة للعمل في إحدى المدن في منزل أحد أهم رجال الأعمال، السيد كامل.
أخبر السيد كامل الزوجين عن كيفية العمل في منزله الكبير الفخم المؤلف من طابقين وعن حبه لحديقة منزله الأنيقة.
أوكلَ إلى ويليام مهمة زراعة الورود وتنسيق الأشجار، والحفاظ على نظافة الحديقة المحيطة بالمنزل وما شابه ذلك.
وأما عملُ مفيدةَ فقد كان الخدمة في داخل المنزل وتلبية الحوائج اللازمة للعائلة الثرية.
رافقت الطفلتان مارينا وكريستين والديهما الى منزل السيد كامل. وقد ألقى بهما القدر صغيرتين لتتربيا وسط حياة بائسة لتعيشا ظروف والديهما عينها.

وفي أحد أيام إبريل، خرجت مارينا لجمع أوراق الأشجار وتنظيف الحديقة عوضاً عن والدها الذي كان مشغولاً بدفع بعض الفواتير الخاصة بعائلة السيد كامل.
وبعدما انتهت من العمل منهكة، تمشت بعيداً لتأخذها خطواتها نحو الشارع المؤدي إلى المدينة، وإذ بها ترى شاحنة مليئة بالورود الطبيعية ذات الألوان والأنواع المتنوعة، كان المنظر شديد الجمال.
كانت الشاحنة تعمل على نقل الورود الطبيعية عبر المدن وتبيعها في الأسواق. اندهشت مارينا بالورد ومظهره البديع، وصعدت الشاحنة مسرعة دون أن يلحظها أحد، كانت تشمّ رائحة الورود وتجمع منهم ما يحلو لها، وإذ بالسائق يصعد الشاحنة ويسير متجهاً الى مدينةٍ أخرى.

خافت الطفلة عندما تحركت بها الشاحنة وأدركت أنّ والديها لا يعلمان بأمرها وبدأت تبكي، ومن شدة خوفها راحت تصرخ بأعلى صوتها، ولكن دون جدوى. ومن شدة تعبها استلقت وغفت في الشاحنة.
وصلت الشاحنة المكان المطلوبَ، وعندما قدم السائق ليجمع الورود من الشاحنة نظر بدهشة الى الفتاة مارينا. أيقظها مسرعاً وسألها: من أين أتيتِ؟

نظرت الفتاة إليه وهي ترتجف من الخوف، لم تتفوّه بكلمة، ثم كرّر السؤال، من أنتِ أيتها الطفلة؟ كيف جئتِ إلى هنا؟
لم تتمكن الطفلة من الإجابةِ، فهي لا تعلم اسم المنطقة أو المدينة التي جاءت منها، ولم يكن باستطاعتها إلا أن تذكر أسماء والديها ويليام ومفيدة.
تنهد السائق وقرّر أن يأخذها إلى دار أيتامٍ ليتكفلوا بأمرها.
وهكذا فقدَ ويليام ومفيدةُ طفلتهما مارينا، التي بقيت منذ ذلك اليوم تحت رعاية دار الأيتام التي جاء بها سائق الشاحنة إليها. مضت الأعوام ولم يتمكن الأبوان من العثور على ابنتهما مارينا.

حين أصبحت الأختان في سن العشرينات، كان مفيدة وويليام قد توفيا، وبقيت كريستين خادمةً في منزل السيد كامل الذي كان لديه ابن شاب يدعى كريس.
كان كريس ومارينا في ذات السن وكان قد أرسله والده الى إحدى الجامعات ليتمّ تعليمه.
أما مارينا فكانت قد تبنتها إحدى العائلات الثرية والمعروفة، وكانت العائلة قد أرسلت مارينا إلى الجامعة ذاتها التي ذهب إليها كريس ابن السيد كامل.

وهنا يكمن دور الصدفة والأقدار الغريبة في حيواتنا، فإذا بمارينا وكريس قد درسا في نفس الكلية وقد تعرفا على بعضهما لهذا السبب وأحبا بعضهما.
وفي إحدى الأيام أراد كريس أن يأتي بمارينا ليعرفها على عائلته، وهنا كان المشهد الأكثر تأثيراً، فقد كانت كريستين ما زالت تعمل كخادمة في منزل كريس.

وفي اليوم الذي أتى فيه كريس بمارينا إلى المنزل فتحت كريستين البابَ، وإذ بها ترى فتاةً في غاية الجمال رفقة كريس، وشعرت بقلبها يخفق لرؤيتها، فقد كانت تشبه مارينا الصغيرة جداً.
لم يكن كريس يتذكر اسم أخت كريستين، أي مارينا، ولم يلتفت لأمر اختفائها حتى، فقد كان صغيراً. إلا أنّ مارينا كانت تتذكر قصتها وظل اسمها كما هو، فالعائلة التي تبنتها لم تغيّر اسمها.
وهكذا اجتمعت الأختان بعد مضي عشرين سنة بأكملها، إلّا أنّ قدريهما كان مختلفا تماماً!! فقد تزوج كريس بمارينا، وكريستين تمّت خطبتها على حارس المنزل الخاص بالسيد كامل.

ها هي الحياة تحمل لنا أقداراً لم تكن في الحسبان ولم نكن لنتوقعها أو نتخيلها قط ولو في بأحلامنا!!

تصميم: مهند حمود
نشر: نوار الحسن

DET Platformأقدارنا
قراءة المزيد

عوالم مجهولة

No comments

عندما تغرب الشمس سيتسلل شعاع أخير إلى داخل غرفتها ليختبئ في خزانتها ويرتدي ثيابها واضعاً بين ثنايا الأنسجة روح النهار.

لم تعتد منى على ذاك الحمل الثقيل بعدُ، خاصة أنّ هناك من يساعدها في ترتيب المنزل والطبخ والغسيل لكن حدث أن تمت الموافقة على المنحة المقررة لسفر أختها وإكمال دراستها في الخارج.

DET Platformعوالم مجهولة
قراءة المزيد

مترنم بألحان النصر

No comments

عرائش العنب, شجرة البرتقال , القطة ميشا

بيتنا المحاذي للمسجد الذي دفنت فيه ذكرياتي

عصافير الصباح التي لم تجد مسكناً أهدأ من حديقة المسجد

بصمات الشهداء والمعتقلين والمهجرين التي طبعت على كل ذرة من جدران المسجد, ضحكاتهم , أمسياتهم , عماراتهم التي بنيت وتعالت في أروقة قلبي الممزوج بنصائحهم وكلماتهم في الدروس والرحلات والبرامج التي ملئت سنوات طفولتي .

كلها قد بدأت بالتلاشي …… رويداً رويداً …….. مع كل خطوة خطوناها نحو الرحيل .

حينها استجمعت نفسي وهدرت دموع الفراق وتسلقت إلى دالية العنب لأقطف عنقود الوداع …….. ومازال حصرماً , أملاً بأن نعود قريباً عند نضوج أقرانه.

ولكن خانني خاطري ……

فلا عودة إلا بقطف ثمار النصر التي زرعها الذين سبقونا ورحلوا عنا في سبيل نصر ثورة الشام , الذين زرعوا في نفوسنا أشجار العزة والتي سيأتي اليوم الذي تثمر فيه وتينع ثمارها,وسيجني الجيل الآت ثمار الحصاد حينها.

هاجرنا ……

ظننت أن الهجرة بعيدة لكنها في الواقع كانت أقرب مما كنت أتوقع , كانت هجرة من  أعماق الوحل إلى جداول الماء الرقراق , كانت هجرة من سلاسل القيد إلى الفضاء.

ظننت لوهلة عند وصولنا بعد بضع ساعات أننا لوحدنا !!

لكني لم أتفاجأ بكثير ممن افتقدناهم ودفنتهم في صندوق الذكريات …

وعندها أيقنت أن الكثير من الأشجار قد دفنت بذارها وبدأت بالنمو ليحين موعد الحصاد القريب.

في غوطتي سيأتي يوم لجني الثمار . فقد وجدن آلاف البذار تشق طريقها نحو السماء !

وليس في غوطتي فحسب بل في كل مكان رحل إليه حمّال القضية وأبناء الحرية

DET Platformمترنم بألحان النصر
قراءة المزيد

أمل وحصار

No comments

إنها المرة الأولى التي نرى فيها الطيران الحربي يقصف من ارتفاع منخفض، امتزجت الأصوات جميعها في لحظة واحدة، صوت الطائرات والقصف والرصاص ودوي الانفجارات وأصوات التكبير من المآذن.

بدء النزوح والهرب من الموت إلى المجهول، الجميع يغادر المدينة التي بدت فيما بعد شبه خاوية.

تجولت في المدينة بسيارتي بحثا عن ملجأ في أحد الأقبية نختبئ فيه، وجدنا مصنعا للألبسة فيه القليل من المساحة الفارغة، لا أدري الآن ما مصيره ولا أدري ما يفعله كلّ من تبقى متمسكا بقرار عدم المغادرة، كنا نظن أنها أيام قليلة ستنتهي لنعود من بعدها إلى حياتنا المعتادة، مضى اليوم بطيئا متثاقلا وكأنه عام.

إنها الواحدة بعد منتصف الليل، أصوات كالرعد في كل مكان، أصوات راجمات الصواريخ تندمج مع أصوات الانفجارات الهائلة وأزيز الرصاص وعواء الكلاب، هكذا مضت الليلة الأولى من الرعب، ارتفع فيها صوت بكاء الأطفال ودعاء النساء ودموعهم المتناثرة على وجناتهن، وأما الرجال والشيوخ فكانوا يسبحون ويكبرون. جاء الصباح أخيرا وهدأ الضجيج قليلا، الوضع شبه هادئ ما عدا بعض الاشتباكات هنا وهناك.

ليس بعيدا عن موقعنا كانت هناك عائلات مختبئة في أحد الأقبية ينتمي أغلبها لعائلة “نوح”، ما يقارب 30 امرأة وطفلا وبعضَ الرجال، سقط على بناءهم صاروخٌ من طائرة حربية قبل أنه فراغيّ النوع وقد انهار على إثره البناء المؤلف من خمسة طوابق، حاول الدفاع المدني والمتطوعون إخراج العوائل ولكن دون جدوى، لم ينجو منهم إلا طفلة صغيرة. فقد الكثير من الشباب أحبتهم، فهذا الذي كان يبكي بحرقة بعد فقد جميع أفراد أسرته وذاك الذي فقد زوجته بعد أسبوع من الزفاف.

ومع حلول الليل ذهب الأمل في إيجاد ناجين وبقيت الجثث تحت الأنقاض لتسمى هذه الحادثة فيما بعد بمجزرة آل نوح.

تمضي الأيام والحصار يشتد شيئا فشيئا، استهلك المدنيون كلّ متاحٍ في المدينة من أغذية ووقود.

لا يوجد شيء تستطيع الحصول عليه فلا محال ولا بقالة، أحاط الدمار بكل الأبنية. أنا جائع جدا، ذهبت مع صديقي بحثا عن شيء يسدّ الرمق في البناء الذي كان يقطنه مع عائلته وبعد بحث مطوّل وفقدان للأمل وجدنا بعض الأرغفة من الخبز اليابس الذي مضى على وجوده سنة وأزيَد، فرحنا كثيرا فذهبنا إلى الحقول أيضا لنجلب بعض الأعشاب التي تُأكل، تمّ تحضير الطعام مساء، كان يوم عيد بالنسبة للجميع فهذه وليمة فاخرة بالنسبة لنا من خبز يابس متعفن تم غسله أكثر من مرة وبعض الأعشاب.

تمرّ الأيام والأشهر والسنين كان لابد للمدينة من العودة ببعض الأمل والحياة، أنشأت مجموعة من الشباب صيدلية مركزية لتوفير الأدوية بالمجان تمّ جمعها من الصيدليات المهدمة وبعض المنازل.

كما أنشأت مجموعة من النساء مدرسةً لتعليم الأطفال وتخفيف الضغط عنهم وترفيههم، كان هذا العمل بالنسبة للمدينة المحاصرة والظروف التي تعيشها أشبه بمعجزة، الأطفال في الأقبية تتعلم على ضوء خافت جدا مما كان متاحا لهم في ظلّ القصف بالبراميل المتفجرة الذي لا يكاد يتوقف صباحا لساعات حتى يعود من جديد.

إنه الأمل وإرادة الحياة لدى أهالي داريا رغم قسوة الظروف والمصاعب كالطبخ على الحطب ووجبة واحدة متاحة يوميا.

أما بالنسبة للوقود أحد أكبر مشاكلنا فبعد بحث واستقصاء وصلنا إلى بعض إخوتنا في غزة بفلسطين الحبيبة الذين أرشدونا إلى وقود بديل هو البلاستيك المنصهر.

والاتصال كان بطريقة غير معتادة إذ صنعنا من أغطية أواني الطبخ وبعض الأسلاك مقويات لشبكة الهاتف الجوال.

كانت الأيام هناك طويلةً وثقيلة، كان الجوع وقلة الطعام أكبر مشكلة واجهتنا فلم يبقى ما يسد الرمق سوى بعض الماء مع البهار والملح وبعض من حبات الذرة المطحونة.

سُرق مستودع اللجنة الإغاثية في المدينة حيث كان يحتوي على كمية من ثمار اليقطين التي كان يتم طهوها وتوزيعها.

ضاق الحال بالمدنيين ولكن الفرج آت ولو بعد حين، جارتنا مدينة معضمية الشام الملاصقة لداريا محاصرة أيضا وكانت تشاركنا نفس البؤس ولكنها تفاوض القوات النظامية وقد تم الاتفاق وفتح معبرٍ هناك، دخلت المواد الغذائية بعد مرور سنتين لم أرى فيها رغيف خبز، واليوم أمامي بيض وخبز، كان هذا أشبه بحلم، اجتمعنا خمسة أشخاص وبدأنا نطهو البيض ونأكل، تناولنا 24 رغيفا وصندوقين من البيض ولكن مازلنا جائعين!

الأيام تمر والمعبر يُدخل المواد الغذائية والناس تشتري بكل ما تملك من نقود وتقوم بتخزينه خوفا من إعادة إغلاقه وهذا ما حصل، أشهر قليلة وعاد الحصار مجددا ولكن في هذه المرة لدينا بعض الخبرة، فالجميع استطاع تخزين مقدار جيد من المواد الغذائية وبعض البذار للزراعة.

عادت المعارك، محاولات اقتحام جديدة وقصف شديد والبراميل المتفجرة أصبحت أكثر تدميرا وفتكا بالأرواح، ذهبت ضحايا كثيرة من النساء والأطفال.

عندما كنت جالسا مع صديقي في إحدى المرات سقط برميل في منتصف المدينة في الشارع الذي تسكن فيه عائلته، ذهبنا مسرعين لنجد المنزل ركاما من الحجارة تدفن زوجته الشهيدة الحامل في شهرها الثامن وطفله ابن السابعة، غرق صديقي بدموعه، كان هذا المشهد يتكرر يوميا، الموت في كل مكان.

نعم لم نمت من الجوع ولكن الحصار الجديد كان أقسى لأنّ البراميل كانت تحصد أرواح أهلنا وأحبتنا.

وأيضا لازلت أذكر سقوط برميل يحتوي النابالم على البناء المجاور، حينها اشتعل البناء وحوصر قاطنوه وبمعجزة استطعنا إخراجهم عبر فتحة في حائط البناء المجاور، كانت صرخات الأطفال أشدّ على قلوبنا من النار المستعرة.

لم يبقى شجر ولا حجر على حجر، كله دمّر حتى الحقول التي زرعناها لم تسلم من القصف والحرائق، كان الحصار يشتد أكثر فأكثر.

فصل النظام ما بين المدينتين داريا ومعضمية الشام واستولى على الأراضي الزراعية، نحن محاصرون الآن ضمن 1 كم متر مربع فقط، حكم علينا بالهلاك إما قصفا أو رميا بالرصاص، هكذا كان حديث الناس في الشارع لقد مضى على المعركة والحصار أربع سنوات.

ولكن الإرادة الإلهية تتدخل من جديد، فعبر المفاوضات تم تهجير كل من تبقى على قيد الحياة في المدينة إلى الشمال السوري لتطوى بذلك مسيرة أربع سنوات من الصمود والنضال وتبدأ مسيرة جديدة من المعاناة والتهجير.

وعن الحب والحرب

إلى مدينة داريا العزيزة:

لم يعد في قلوبنا مكان للحب، لا يا عزيزتي فذاكرتي لا ترى سوى الدمار

عذرا منك وألف عذر، ففي قلبي لن تجدي سوى الحصار

اعذري عيوني لأنها لم تعد ترى سوى الأشلاء والدماء

اعذري روحي لأنها صعدت مع آهات الأطفال إلى السماء

واعذري جسدي لأنه تمزق مع صيحات النساء

نعم، لم يعد في قلوبنا مكان للحب

فالحرب هنا دمرت كل جميل، حتى تغريد البلابل تحول إلى نعيق الغراب

وهدير الماء أشبه بصوت طائرة تنفث نارها كالبركان

نعم يا عزيزتي فالدخان هنا ما يتنفسه الإنسان

نعم يا عزيزتي إنها الحرب، لن تجدي في قلبي من مكان

إلا لأنشودة حزينة ترثي ما مضى وكان

سامحيني واعذريني وانتظري فلربما يعود بنا الزمان

ويبزغ الفجر على وطن دمره حقد أرعن وجشع الإنسان

 

تحرير: أحمد حللي.

DET Platformأمل وحصار
قراءة المزيد